في مديح حكاية الجدة

الخبر بوست -  القدس العربي الجمعة, 20 نوفمبر, 2020 - 10:48 صباحاً
في مديح حكاية الجدة

كلما دخل العالم نفقا مسدودا، تبين بالملموس كيف أن ذلك سببه تخليه عن قيمه الإنسانية والتضامنية، وفتح الباب على مصراعيه لفائدة الرأسمال المتوحش، لتعليب كل مظاهر الحياة وبيعها بحثا عن المال، ولا شيء آخر غير الربح. عالم اليوم، عالم تتهافت فيه القيم المادية والمالية، على بيع كل ما يوجد فوق وتحت الأرض، وما يوجد في السماء وغيرها من هذا الكون.

حياتنا اليوم، تفقد يوميا العديد من نخوتها الإنسانية، يكفي التفكير في طبيعة وواقع الأسرة العربية، وغيرها، ليتضح لنا بالملموس، كيف هي اليوم مفككة، وغير قابضة على توهجها، الذي كان رأسمالها الحقيقي والإنساني. أين ذلك الدور الذي كانت تقوم به الجدة؟ وهل فعلا بقي لهذه الجدة موقع ما في عالم تزداد فيه مؤسسات الرعاية لكبار السن، بما فيه عالمنا العربي والإسلامي، الذي لم يكن فيه أي وجود لهذه المؤسسات الاجتماعية ذات البعد الغربي؟

كان للجدة ذلك الحضور البارز في الأسرة، هي ركنه الكبير وشموخه الذي لا يغيب إلا بغيابها وانتقالها إلى دار البقاء. من من الأجيال القديمة، من لم تكن له علاقة وجدانية وإنسانية وروحية عميقة بجدته؟ كانت مصدرا من مصادر متع الحياة. كانت تحمينا حينما كنا معرضين للضرب من لدن الأب أو الأم. لقيماتها لها طعمها الخاص. رائحتها تلف كافة ألبستنا. كانت أول من ينهض في الصباح، حينما تكون في أبهى صحتها، يكون البيت برمته ينتعش ويعيش حيوية غير مسبوقة.

لحكاياتها لذة لا تقاوم. يكفي أن نجلس بجانبها، رحمها الله، في ليلة من ليالي الصيف وعلى إيقاعات صفاء السماء، وذلك النسيم العليل، لتمارس سلطة من سلطها المعشوقة. إنه الحكي. حكي حدوتة من رصيدها الذي لا ينضب. كلما بدأت حكيها، كنت أهوي إلى الأرض، أصبح متلقيا متيما بعشق كلماتها/حكيها. كانت تدخلنا في كنف حكاياتها. نستمتع بها ونبني بها عوالمنا الجوانية، ونشعر حينها بأننا ملكنا كل العالم من خلال ما تحكيه لنا. كانت الجدة، المكان الأول للجوء التربوي أو الاجتماعي، ظلها وحرمتها لا يمسان. لا يمكن للأب أن يتجه نحوها، كلما طلبنا منها حماية، حتى لا نقع في قبضة ضرباته القاسية، والمخلخلة لتفريطنا في اللعب، أو لقيامنا بما هو غير مرغوب فيه من لدن الأب أو الأم.

لحكاياتها لذة لا تقاوم، ولحنينها اهتزازات في كل مناحي الجسم، يحول مرضنا إلى شفاء عاجل، وجوعنا إلى بطن شبعان. لها رائحة ما زلت أستمد منها التصاقي بزمنها الجميل. وجودها في ركن من البيت، يولد لنا الأمان. لا تنظر إليك إلا وهي مبتسمة وفاتحة ذراعيها. قبلاتها وعناقها، فعل آت من زمن الطهر وقيم المثاليات.

كل هذا كان يولد لنا الطمأنينة، ونحن نبدأ في الاستعداد لسمر الحكايات. البدء بالبسملة والصلاة على النبي العدنان، مقدمتها لكل حكاية، من فمها وشكل عينيها وحركات يديها، تعلمنا كيف نستعد للحكاية وكيف نبني توقعاتنا وتمثلاتنا وفهمنا للحكاية. عديدة هي الحكايات التي نسجتها وحولت بها جميع أحفادها ذكورا وإناثا، إلى أجسام هادئة تصغي لمنعرجات الحكاية. لم نكن نعرف أننا كنا في هذه اللحظة نبني أنفسنا بفضل حكايات الجدة. لم نكن نعرف أيضا أنها كانت تمتعتنا وتنتشلنا من أسئلة عديدة كنا نطرحها على أنفسنا بشكل فطري عن طبيعة ذواتنا، وعن العالم الذي ولدنا فيه ونعيش في ظله. كانت رؤيتنا تبنى في هذه اللحظة، عن طريق المعلمة الأولى هي الجدة التي كانت متفرغة طيلة يومها لتوزع علينا حنانها، في ظل انشغال الأم والأب بمهام أخرى تتعلق بعيشنا.

حكايات الجدة كانت بلسما لكل الجروح، بها تمكنا من الغوص في عوالم الحيوانات وحيلها، وعوالم الناس وصراع قيم الخير والشر. كان حكيها له بنيته الهندسية. هو كشكل الجبل. له بداية، وهي بداية الصعود نحو القمة، كانت هذه البداية تشكل بالنسبة إلينا لحظة استعداد واسترخاء أولي، فيها كانت تكشف الجدة الحكواتية عن بداية حكايتها، ثم يتم الصعود نحو القمة.. قمة الصراع بين مكونات الحكاية. لحظات كان الجسم يكتسب فيها مناعة ما زالت حاضرة، وربما هي سر من أسرار مقاومة الفيروس اللعين الآن. في لحظة الصراع، يرتعش القلب بل والجسم كله، كلما انهزم في البدء من نحب وننحاز له. صراع الشخصيات الشريرة مع الشخصيات الخيرة في عالم الحيوانات، أو عالم الإنسان، أو عالم الجماد، تتمكن الجدة من نقلنا إلى عمقه، لتصبح تقاسيم وجوهنا تنفعل وتتقوس كلما انهزمت شخصياتنا المفضلة، وتنتعش كلما هزمت الشر. في النهاية، أي أثناء الهبوط من قمة الجبل نحو سفحه، تسير بنا نحو ضفة الدفء والراحة، وتجعلنا نفرح وننتصر وكأننا الشخصيات المعنية بالصراع والمحققة للنصر، هي لحظة انتشاء تجعلنا فعلا، كأننا أصبحنا نملك كل هذا العالم.

هي الجدة التي لن ننسى تجاعيد الزمن وما فعله فيها.. عيناها الذابلتان، كانتا محطة للنور. يداها، اللتان عانقتا الأرض وتربتها وحيوانها وإنسانها، وأصبحتا مرتخيتين وعروقهما الخضر ظاهرة ومحيرة لنا، بها يأكل المريض والصغير. جسمها المقوس، كان قوس نصر الحياة. ظهر حمل أبناءها وأبناء القبيلة وحطب النار الذي كانت تطبخ عليه لقيمات بها تقوى جسد أبي وأخواته.

لا شيء، يعوض حكايات الجدة وحنانها، في زمن أصبح الكل يتهافت على الربح وحساب ما الذي من الممكن جنيه من كل فعل أقدمنا عليه في هذا العالم، الذي يهتز كل لحظة. إلى أرواح الجدات اللواتي رحلن عنا، نهدي خالص الشكر والود. نهمس لهن، الآن في زمن كورونا اللعين، وهن في قبورهن قائلين: إنكن طيور نادرة، فهل تعلمن أن الحياة اليوم، دخلت نفقا تائها، وحاملا الإنسان إلى بقعة سوداء به تغتني العديد من البطون؟ هل تعلمن أن الطيور لم تعد تغرد كما كانت؟ ولذة الطعام تعفنت بمواد سالبة للشهية؟ هل تعلمن أن طعامكن هو علاجنا اليوم من سقم عولمة تنتعش بمرض الإنسانية؟ هل تعلمن أننا لم نعد نسكن في شساعة المكان، بل أصبحنا سجناء في عمارات عالية، لا الجار يسلم على جاره، ولا الكبير يحن على الصغير، ولا نحضر المآتم ولا نتقاسم الألم في ما بيننا لنفرح بالأمل حينما يعوضه؟ هل تعلمن أننا اليوم، نعيش زمن تيه ولا نعرف ما الذي سيكون عليه شكل هذا العالم الذي تتغير ملامحه لحظة تلو الأخرى؟

هي الجدة التي لن تعوض في هذا الزمن.

 


تعليقات
اقراء ايضاً