الفلسطيني الذي باع أرضه.. حقيقة أم دعاية سوداء؟

الخبر بوست -  متابعات الجمعة, 07 مايو, 2021 - 02:44 مساءً
الفلسطيني الذي باع أرضه.. حقيقة أم دعاية سوداء؟

الكثير منا في مراحل مختلفة من عمره أو في مناسبات عدة، ربما سمع جملة "الفلسطينيون هم من باعوا أرضهم". ظلت هذه المقولة عالقة في ذهني إلى يوم من أيام الجامعة، وكنا على موعد لإقامة فعالية خاصة بالعدوان الصهيوني على قطاع غزة. كان عليّ يومها إلقاء كلمة للتعريف بالقضية وحث الطلبة على المشاركة. وقتها قررت البحث في صحة تلك المقولة، تحسباً لأي سؤال هجومي من أحدهم "أليسوا هم من باعوا أرضهم، فلماذا التباكي الآن، وماذا نصنع لهم؟!".

 

ما وجدته خلال بحثي حينها وبعدها كان مختلفاً جملة وتفصيلاً، وتيقنت أن تلك الجملة شيء أشبه بغسيل الأدمغة، حين وقعت عيني على هذه الكلمات "أنا أؤيد الترحيل القسري، ولا أرى فيه شيئاً غير أخلاقي". هكذا خاطب دافيد بن غوريون اللجنة التنفيذية للوكالة الصهيونية في يونيو/حزيران 1938.

 

كانت تلك الجملة ادعاء فارغاً، تلقاه الناس بألسنتهم وانتشر كالنار في الهشيم ولاقى رواجاً في أوساط العرب أكثر منه في أوساط الصهاينة كأنما تواصوا به، نوعاً من تبرئة الضمائر وتسكينها. أسطورة كذبتها الروايات الصهيونية نفسها، فضلاً عن حقائق التاريخ والواقع.

 

الروايات الصهيونية:

تعددت روايات الصهاينة بشأن هذه الأرض وسيطرتهم عليها، لكنها لم تتطرق إلى زعم شرائها من الفلسطينيين إلا في نطاق شديد الضيق. تتحدث القصة الصهيونية الملفقة عن "انتقال طوعي" جماعي أقدم عليه مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قرروا هجر بيوتهم وقراهم مؤقتاً، من أجل إفساح المجال أمام الجيوش العربية القادمة لتدمير الدولة اليهودية الوليدة.

 

إلى جانب الدعاية الصهيونية منذ القرن التاسع عشر، والتي استندت على فكرة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، مروجين أنه لا شعب في فلسطين، لذلك من حقهم وهم لا يملكون أرضاً، أن تكون هذه الأرض لهم وطناً.

 

في هذا الصدد يُذكر أن "ماكس نوردو"، وهو أحد المقربين إلى "ثيودور هرتزل"، أراد أن يقنع بعض الحاخامات الأوروبيين المترددين، واقترح إرسال اثنين منهم إلى فلسطين ليرفعا تقريراً إلى المؤتمر الصهيوني عن طبيعة الأوضاع هناك وإمكانية الهجرة عملياً، فكتبا تقريراً جاء فيه: "إن العروس جميلة، وهى مستوفية كل الشروط، ولكنها متزوجة فعلاً من رجل آخر". أي أنه هناك بالفعل شعب مسلم عربي فلسطيني، متجذر في هذه الأرض، ويسكن فيها منذ مئات السنين، تعداده قرابة مليون ونصف مليون إنسان.

 

وقائع التاريخ، وحديث الأرقام:

على الرغم من مساعي اليهود القديمة منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، للسيطرة على أراضي الفلسطينيين عن طريق التملك، بدءاً من اليهودي البريطاني، السير "موسى مونتيفيوري"، ومحاولاته العديدة مع الباب العالي للدولة العثمانية، حتى تمكّن "مونتيفيوري" من تملّك أول قطعة أرض يهودية في فلسطين، نتيجة تدخُّل بريطانيا لدى السلطات العثمانية، ليصدر السلطان فرماناً سنة 1849م يجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة، ويقوم "مونتيفيوري" بتشييد أول مستعمرة يهودية على أرض تقع خارج سور البلدة القديمة بالقدس، والتي اعتُرِف بها رسميا من السلطات العثمانية مع صدور قانون تملك الأجانب عام 1869 -تم إلغاء تملك اليهود الأجانب من هذا القانون عام 1881، وإلغاء تملك اليهود عامةً عام 1892- لتُوضَع بها نواة أول حي يهودي في فلسطين.

 

على الرغم من قوانين التملك العثمانية ومن بعدها قوانين التملك البريطانية، والتي جاهدت في منح الأراضي لليهود، لم يستطع اليهود الحصول على أكثر من 7% من الأرض، في أقصى التقديرات، عن طريق التملك سواء كان بالشراء أو التحايل. وهذا ما أكدته الوثائق الرسمية، أو ما ذكره المؤرخون اليهود أنفسهم، فيقول المؤرخ الأمريكي اليهودي "مايكل ر. فيشباخ" في كتابه (سجلات السلب، أملاك اللاجئين الفلسطينيين والصراع العربي الإسرائيلي): "إن اليهود امتلكوا أقل من 7% من أرض فلسطين قبل عام 1948".

 

وهو ما أورده أيضاً المؤرخ الإسرائيلي "إيلان بابه" في كتابه (التطهير العرقي في فلسطين)، حيث أكد فشل الصهاينة في شراء الأرض من الفلسطينيين وقال إن الحل الوحيد كان التهجير القسري والتطهير العرقي.

 

مع سقوط الدولة العثمانية 1918، لم يمتلك اليهود أكثر من 420 ألف دونم أي (1.5%) من أرض فلسطين، كانوا قد اشتروها من كبار الملاك وعائلات الإقطاعيين العرب من أصول غير فلسطينية، فعائلة سرسق اللبنانية باعت وحدها أكثر من 200 ألف دونم من أراضي مرج ابن عامر للصهاينة، وتسبَّب ذلك في تشريد 2546 أسرة عربية هم أهل 22 قرية فلسطينية.

 

وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيم تركة الدولة العثمانية، وكان هدف الاحتلال منذ البداية هو تنفيذ المشروع الصهيوني وإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. وكما ذكرنا سابقاً فنسبة الـ7% التي حصل عليها اليهود من الأرض لم تكن كلها عن طريق الشراء، فمعظم هذه الأراضي لم يشتروها في الواقع من أبناء فلسطين، فالحقائق التاريخية والوثائق تشير إلى أن معظم هذه الأراضي استولى عليها اليهود عن طريق منح الاحتلال البريطاني لأراضي فلسطين الأميرية "أراضي الدولة".

 

منحت السلطات البريطانية نحو 300 ألف دونم لليهود من الأراضي الأميرية دون مقابل، كما منحتهم 200 ألف دونم أخرى مقابل أجر رمزي، ففي عهد هربرت صموئيل، أول مندوب سامٍ بريطاني على فلسطين (1920-1925) وهو يهودي صهيوني، قام بمنح 175 ألف دونم من أخصب الأراضي على الساحل بين حيفا وقيسارية لليهود، أي 675 ألف دونم ما يعادل تقريباً (2.5%) من الأرض. وأما مجموع ما حصل عليه اليهود من أبناء فلسطين حتى سنة 1948 لا يتجاوز 300 ألف دونم، ما يعادل (1%) من أرض فلسطين، بسبب الظروف التي مر بها الفلاحون في ظل الاحتلال، ومن خلال بعض ضعاف النفوس من الفلسطينيين.

 

التطهير العرقي للفلسطينيين:

بدأ فصل جديد مع ازدياد وتيرة الهجرة اليهودية، حتى وصل عددهم إلى ما يقارب ثلث عدد الفلسطينيين، وارتفعت معها الأصوات المنادية بالتقسيم، وقررت بريطانيا رفع ملف فلسطين للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 1947، وصدر القرار بأغلبية الأعضاء بتقسيم الأرض إلى دولة عربية وأخرى يهودية، ومنطقة انتداب دولية محايدة بالقدس. ليعطي القرار الصهاينة ما يمثل 57.7% من فلسطين، مقابل 42.3% لأهل الأرض من الفلسطينيين.

 

مع فشل الصهاينة في السيطرة على الأرض عن طريق التملك، رغم كل ما سُخر من إمكانيات وأموال لذلك الغرض، قرر الصهاينة السيطرة على الأرض بطريق آخر، وهو التطهير العرقي لفلسطين. فنفذوا ما يزيد عن 24 مذبحة، اعتبرها المؤرخ الصهيوني "بني موريس" (ضرورة لقيام دولة إسرائيل). كانت الخطة "دالت" من أهم تلك العمليات والتي بدأت في مارس/آذار 1948 واستغرقت نحو 6 أشهر، أُرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لطرد الناس بالقوة: إثارة رعب واسع النطاق، محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية، حرق منازل وأملاك وبضائع، طرد، هدم، وأخيراً زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم ثانية. أسفرت تلك العملية عن اقتلاع أكثر من نصف سكان فلسطين الأصليين، أي ما يقارب 800.000 نسمة، من أماكن عيشهم، وتدمير 531 قرية، وإجلاء 11 حياً مدنياً من سكانه، حسب ما وثقه "بابه" في كتابه.

 

النكبة العربية وتبعاتها:

أنهت بريطانيا انتدابها في 14 مايو/أيار 1948، لتعلن الصهيونية في اليوم ذاته قيام الدولة اليهودية. الأمر الذي رفضته الحكومات العربية، لتنشب على إثره حرب 1948، بين الجيوش العربية وعصابات الصهاينة، لتنتهي في الأخير بهزيمة الجيوش العربية، وسيطرة الصهاينة على نحو 77% من أرض فلسطين.

 

رغم كل ما عاناه الفلسطينيون تحت وطأة الاحتلال البريطاني وأتباع المشروع الصهيوني، فإنهم وحتى ذلك التاريخ كانوا يحتفظون بما يقارب 93% من أرضهم، فكانت هزيمة الجيوش العربية هى الخسارة الحقيقية لفلسطين وشعبها، مُزق على إثرها النسيج الاجتماعي والاقتصادي للشعب الفلسطيني. لتبدأ معه رحلة الشتات.

 

الختام:

تقول روز ماري، الباحثة والصحفية البريطانية: "لقد آذى التشهير بالفلسطينيين أكثر مما آذاهم الفقر ، وأكثر الاتهامات إيلاماً، كان الاتهام بأنهم باعوا أرضهم، أو أنهم هربوا بجبن، وقد أدى الافتقار إلى تأريخ عربي صحيح لعملية الاقتلاع بالجمهور العربي إلى البقاء على جهله بما حدث فعلاً". 

 

الشعب الفلسطيني، شعب عصي على الكسر، مقاوم لا يستسلم، صمد لأكثر من 100 عام، وتاريخه مليء بالثورات والانتفاضات لعلنا نذكرها فيما بعد، إلا أنه يوماً ما باع أرضه، وما فرط فيها، بل رواها بكثير من الدماء، واعتبر من باع أرضه لليهود مارقاً من الدين، خارجاً من زمرة المسلمين، ويحرم من الدفن في مقابر المسلمين، ويُقاطع في كل شيء ويُشهر به.

 

ولا يزال حلم العودة يراود الفلسطينيين حتى اليوم، محتفظين بمفاتيح بيوتهم التي طُردوا منها منذ أكثر من 70 عاماً، حق تتوارثه الأجيال، لا يفرق بين رجل أو امرأة، وينطبق كذلك على ذرية أي منهما مهما بلغ عددها وأماكن تواجدها ومكان ولادتها وظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.


تعليقات
اقراء ايضاً