أنا السفاح الهائج والثائر المبير”.. قصة “أبي العباس السفاح” أول خلفاء العباسيين

الخبر بوست -  عربي بوست الإثنين, 14 يونيو, 2021 - 02:55 مساءً
أنا السفاح الهائج والثائر المبير”.. قصة “أبي العباس السفاح” أول خلفاء العباسيين

بعدما أسس بنو أمية الخلافة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان كانوا يكرمون بني هاشم بكل فروعهم: العباسيين وهم أبناء وأحفاد العباس بن عبدالمطلب، والعلويين من نسل علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة، فهم آل بيت النبي محمد عليه السلام، فكانوا يعطونهم الأعطيات ويستخدمون بعضهم في الدولة اتقاءً لمنافستهم لهم على الخلافة.

 

في هذا السياق، زار أبوهاشم عبدالله بن محمد الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك في دمشق، فأكرم الخليفة ضيافته وقدَّم له الأعطيات، ولما انصرف أبوهاشم عائداً إلى المدينة، وفي الطريق، شعر بالمرض وأحس بدنو أجله، فقال ذلك لمرافقيه، فقال بعضهم "لعل سليمان قد دس السم لك"، وانتشر الخبر وأصبح الشك يقيناً. 

 

ذهب أبوهاشم إلى ابن عمه محمد بن علي بن عبدالله بن عباس وأخبره بما حدث، ثم طلب منه العمل ضد بني أمية معتقداً أن سليمان قد وضع له السم، فحمل محمد بن علي العباسي على كاهله هذه الفكرة، واتخذ من الكوفة قاعدةً لانطلاق دعوته العباسية، حيث كان بها الكثير من الناقمين على بني أمية.

 

رأى العباسيون في خراسان مكاناً جيداً لانتشار دعوته ضد الأمويين، حيث يكثر في خراسان المسلمون من الأصل الفارسي والتركي، وهو ما يبعد دعوتهم عن العصبية العربية التي انتشرت في ذلك الوقت بين العرب المسلمين بسبب سياسات الدولة الأموية المتعصبة للعرب، كما يسمح ذلك لدعوته بالانتشار بعيداً عن المركز الأموي. فأخذ يرسل دعاته إلى خراسان، وبهذا بدأت الدعوة العباسية بالانطلاق في بلاد خراسان وما وراء النهر (إيران) بهدوء.

 

إبراهيم الإمام.. ودعوة أبي مسلم الخراساني

يذكر محمود شاكر في كتابه "التاريخ الإسلامي" أنه مع انتشار الدعوة العباسية في بلاد خراسان، وبعد أن تهيَّأت الأوضاع لانتقالها من المرحلة السرية إلى المرحلة العلنية، وبعد علم والي خراسان الأموي بأمر العباسيين، عمل على إلقاء القبض على عددٍ من دعاة العباسيين وقتلهم، إلا أن هذا الوالي لم يدم طويلاً في الحكم، وتعاقب الولاة على حكم خراسان، ما جعل الدعوة تعودُ إلى نشاطها من جديد. 

 

ظل الأمر يسير بهدوءٍ وانتشرت الدعوة العباسية في أرجاء خراسان، وذلك حتى عام 743م، إذ مات محمد بن علي العباسي، وخَلَفه ابنه إبراهيم من بعده، الذي لُقب بـ"الإمام"، وهو نفس العام الذي مات فيه هشام بن عبدالملك آخر الخلفاء الأمويين الأقوياء، إذ انقسم البيت الأموي من بعده، وأصبح بعضهم يقاتل بعضاً.

 

وبعد سنتين فقط من تولِّي "الإمام"، وفي عام 745 التقى في موسم الحج بأحد الشباب أتباع الدعوة العباسية: أبي مسلم الخراساني. 

 

لاحظ "الإمام" ذكاءه وإمكاناته، فقرر إرساله إلى خراسان. وبعد أن استتب الأمر لأبي مسلم هناك دشن المرحلة العلنية من الدعوة العباسية.

 

وحدث أول اشتباكٍ بين أبي مسلم والأمويين، فأسر منهم الكثير وقتلهم، ثمَّ سيطر على مدينة مرو وهراة. ووصل الأمر إلى الخليفة الأموي مروان بن محمد، فأرسل لكي يخمد تلك الدعوة باقتياد إبراهيم الإمام شخصياً، فلم يلبث الأمويون إلا أن أسروا "الإمام" وأرسلوه إلى دمشق عاصمة الدولة الأموية، ولكن كان هذا بعد فوات الأوان فقد كان أبومسلم الخراساني قد سيطر على مناطق شاسعة من خراسان، وفر الوالي الأموي على إثر تلك الاشتباكات.

 

موت إبراهيم وتولّي أبي العباس السفاح 

يروي لنا محمود شاكر في كتابه أن إبراهيم الإمام بقي في سجن مروان بن محمد حتى مات، وآل الأمر لأخيه عبدالله بن محمد، المعروف تاريخياً باسم "أبو العباس السفاح". 

 

وفي حوالي عام 747م سار أبو العباس السفاح بأهله إلى منطقة الحميمة (بالأردن حالياً) مقر إقامة والده وأعمامه، وكان السفاح يومئذ عمره 20 عاماً فقط. وبعد ثلاث سنوات، في عام 750 وصل السفاح وأهله إلى الكوفة بعد فرار يزيد بن هبيرة آخر أمراء العراق الأمويين وذلك بعد مقدم الجيش العباسي إلى الكوفة. 

 

وفي خضم هذه الأحداث تقدَّم الجنود العباسيون لمبايعة أبي العباس السفاح، معلنين أن العباسيين هم الأحق بالخلافة، فسار السفاح إلى المسجد يوم الجمعة وصعد المنبر وخطب بالناس، ذاكراً أحقيتهم -أي العباسيين- بالخلافة.

 

في نهاية خطبته قال أبوالعباس السفاح: "وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله، يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح الهائج، والثائر المبير".

 

ومن خاتمة الخطبة أخذ أبوالعباس لقب "السفاح" الذي أصبح يُعرف به تاريخياً. ويقال إن الناس لقبوه بهذا اللقب بسبب كثرة ما قتل من الأمويين، ولكن هناك رأيٌ آخر بأنه تلقب بذلك بسبب كثرة عطاياه، حين قال في خطبته "وقد زدتكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح الهائج، والثائر المبير"، فجاء لفظ السفاح هنا بمعنى الكريم.

 

ومن بعده صعد عمه داود بن علي المنبر وأعلن أن الخلافة حقهم وإرثهم، وبذلك حاول السفاح وعمه إظهار أحقية بني العباس بالخلافة، بعد أن اعتبروا أن بني أمية ظالمون مستبدون. 

 

القضاء على الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية 

بقي أبوالعباس السفاح يأخذ البيعة من الناس في المسجد حتى دخل الليل، وفي اليوم التالي استخلف على الكوفة عمه داود، وبعث عمه عبدالله بن علي لقتال مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ثم أخذ يرسل الجيوش إلى مناطق مختلفة للاستيلاء والسيطرة عليها. 

 

وفي معركة الزاب في 750م انتصر عبدالله بن علي (عم السفاح) على مروان بن محمد، وفر مروان إلى حرَّان ومنها إلى قنسرين، وعبدالله بن علي متتبعٌ له، فاتجه مروان إلى حمص ومنها إلى دمشق، فالأردن، ففلسطين، ثم سار إلى مصر واختبأ بها إلا أن أمره قد كُشف وقُتل. للقراءة أكثر حول معركة الزاب الكبير، اضغط (هنا).

 

أما ابنا مروان عبدالله وعبيدالله، فقد هربا إلى الحبشة، وفقاً لما أورده محمود شاكر في كتابه، مع مجموعةٍ من الحاشية والمقربين، إلا أن عبيدالله قُتل في الحبشة، وأفلت عبدالله، لكنه سلم نفسه أيام خلافة محمد المهدي، وبهذا انتهت خلافة الأمويين وصار أبوالعباس السفاح الخليفة الجديد، معلناً الخلافة العباسية، وهو أول خلفائها.

 

أخذت جيوش العباسيين تصول وتجول، ولما كان الأمويون مكروهين بسبب كثرة المشكلات في أواخر عهدهم، حتى دنت للسفاح كامل الدولة الأموية، واستتب حكمه فيها فيما عدا الأندلس، التي لم يستطيعوا أخذها من تحت يد عبدالرحمن الداخل، الأمير الأموي الذي فر هارباً ليُنشئ دولة قوية في الأندلس، التي تعاقب على حكمها الأمويون بعد ذلك.

 

لم تدم خلافة السفاح طويلاً، إذ إنه أُصيب بالجدري بعد 4 سنوات فقط من إعلانه خليفة، في عام 754 ومات متأثراً به. وأوصى بالخلافه من بعده لأخيه الأكبر أبي جعفر المنصور، الذي يُعدُّ المؤسِّس الحقيقي للدولة العباسية. 

 

حكم أبو العباس السفاح 4 سنوات فقط، كانت الدولة فيها في بدايتها، ولكن رغم قلة المدة التي حكمها فإنها كانت فترة محورية في تأسيس الدولة، وهو ما مهد لأخيه التأسيس الحقيقي ثم التوسُّع، فقد حكم أبوجعفر المنصور 21 عاماً بعد وفاة أخيه.


تعليقات
اقراء ايضاً