خلجات نفس مزعجة 

الخبر بوست -  خاص الاربعاء, 13 مايو, 2020 - 11:46 مساءً
  خلجات نفس مزعجة 

كم هو متعب أن تفر من شئ فتجده في المكان الذي فررت إليه.

كم هو مؤلم أن تجد شئ ما بداخلك يدفعك بقوة أن تمارس ما تجنبته منذ سنين.

كم هو بشع أن تطلب الأمان في مكان ما فإذا به يحاصرك لتعود إلى المربع الذي فررت منه..

منذ زمن وأنا أردد بعض ابيات الحكمة.. كنت أعرف معناها.. لكن أن تعيش المعنى فهذا شيء مختلف.. كان العرب يقولون :-

المستجير بعمرو عند كربته

              كالمستجير من الرمضاء بالنار..

ولقد نصح الشافعي وقال

ولا ترجوا السماحة من بخيل

                  فما في النار للظمآن ماء..

أقرأها وأكررها مرارا... أشعر برغبة جارفة أن أصرخ صرخة مدوية..يسمعها كل من في المدينة... تتعارك الاضداد في نفسي التي أصبحت لا تتسع لضد واحد.. فكيف بضدين.. ما بين إقدام وإحجام.... دفع وسحب.. أمر ونهي... إطلاق و إلجام... و... و... و... فأحالت نهاري شقاء.. وليلي عناء..

 وهكذا تعيش ذاتي..

كريشة تلهو بها الرياح كل حين...

 فتارة إلى الشمال وتارة إلى اليمين...

أحاول باحثا جهدي.. عن شعاع امل يلملمني..

أفتش في ثنايا النفس... و أبحث في حنايا الروح.. وانظر في زوايا القلب.. عن خيط من الأمواج يخرجني..

إلى بر من.الشطآن... يوصلني.

أفتش.. ثم أبحث... ثم ابحث..

ولكني.. وآ أسفاه.. لم ألقى سوى الصرخات تتبعني..

 فأذكر انني قد كنت مذ عامين أو أكثر..

أرى من يصرخون هناك... فأمقتهم والعنهم.. .

وينمو الكره في قلبي ويتجذر..

فأسمعهم صباح مساء... في الحارات والبارات...

في الطرقات والحانات... في المرئي وفي المسموع..

في الأسواق بالابواق... في الأفراح والاتراح..

فأشعر حين أسمعهم.. بالنيران تتلظى..

وفي قلبي يزيد البغض يتشظى..

 ليصبح بعد خمس سنين من صرخاتهم أكبر...

وبعد الخمس.. زاد الليل اظلاما.. وزاد الجرح إيلاما...

وصار الصدح بالصرخات اجبارا والزاما..

فإما تبذل المجهود في الجبهات..

وإما من جيوب الفقر تخرجه مع الاتوات..

وإما ترفع الصرخات في الصلوات.

وإما تحضر الندوات والسمرات  و الدورات..

وبالتمجيد والتبجيل والتعظيم هذب كل ما يتلوه لسانك... لكي يزداد إيمانك...

ويرضى عنك عسكرهم و مشرفهم وسيدهم..

  فتبقى مؤمنا حقا.. وقولك دائما صدقا..

وبالاحضان تلقاهم ويلقونك..

فضاقت بي فسيح الأرض في الأوطان..

وهد الهم ماقد كنت ارفعه من البنيان..

كمثل الظل يتبعني نعيق البوم والغربان..

فتجعل أنس ليل الوصل كالبيداء بل أقفر...

وينمو البغض في قلبي ويتجذر..

   

فجاء اليوم.... لا مرحا به من يوم..

أذكره فيزداد الأسى في قلبي المكلوم...

فإني قد شعرت الآن أني كنت مخدوعا...

بما ألقى من الأخبار مقروءا ومسموعا...

تقول النفس اذهب بين إخوانك..

ستلقى عندهم سلوى لاحزانك..

فإنك دائم ما كنت تذكرهم..

وتهوى النفس لقياهم..

على الايثار في السراء والضراء قد عشتم...

وكنتم دائما تتقاسمون القوت..

فهم كما كان يقال...

عدة عند البلاء... مسرة عند الرخاء.. فقربهم صفاء... وضيقهم عطاء.. وجودهم سخاء.. وبعدهم عناء... ووصلهم رضاء..

وغيرها.. وغيرها.. من الصفات والنعوت..

لكنني وبعد إن اتيتهم... رأيتهم... عاشرتهم... خبرتهم... عرفتهم... أدركت أن الحال دوامه من المحال.

قد كانت الصرخات والدورات اجمل...

قد كنت جنب الخل منشرح مبجل..

قد كنت بين الأهل والأولاد مرفوع مفضل..

قد كنت.. كنت... لكن أنت من جحد وأنكر...

قد كان هما واحدا يا صاحبي فلما العناد...

ماضر لو رددتها فالله مطلع على كل العباد..

انظر.. جيوش الهم قد زحفت إليك بلا ارتداد..

فالان اصرخ ياصديقي.. هل تلاقي من معين..

كانت كما الكابوس... وانت في حكم اللعين..

الآن فلتصرخ بها.. قد برأتك يد اللصوص الآثمين..

فاصدح بها جهرا.. فإن الله أكبر..

يانفس مهلا.. لا تذكين المآسي و الجراح...

فيما مضى قد عشت أنهل من ينابيع الصحاح..

 

هي حسرة.. ام لوعة..

هي رغبة.. ام رهبة..

هي ما تكون... يا نفس إني لن أسمي..

هي من تزيد اليوم اوجاعي وسقمي..

هي نزوة ألجمتها بلجام علمي..

 

والله لو عصفت بي الكربات عصفا...

والله لو نسفت بي الأمواج نسفا..

والله لو خسفت بي البلوات خسفا...

فلن أحيد عن الطريق... وأبيع واسعة بضيق...

وأكون كالسمسار في سوق النخاسة والرقيق...

فحياة ذل لن تكون.. وعندها فالموت أجدر...

فالموت أجدر..... فالموت أجدر.

 

بقلم الشاعر | محمد عبده النهاري


تعليقات
اقراء ايضاً