المهرة.. جذور الحضور السعودي وتطورات الصراع مع أبناء المحافظة (تحليل)

الخبر بوست -  الموقع بوست السبت, 08 يونيو, 2019 - 08:52 مساءً
المهرة.. جذور الحضور السعودي وتطورات الصراع مع أبناء المحافظة (تحليل)

[ المهرة.. جذور الحضور السعودي وتطورات الصراع مع أبناء المحافظة (تحليل) ]

ظلت محافظة المهرة (شرق اليمن) بعيدة عن مجريات الأحداث التي تشهدها اليمن منذ العام 2011م، الذي اندلعت فيه الثورة الشعبية في اليمن، والتي أطاحت بالرئيس السابق علي عبدالله صالح، ومثلت حدثا مفصليا في تأريخ الجمهورية اليمنية والإقليم حتى اليوم.

 

موقعها الجغرافي البعيد عن العاصمة صنعاء (1318 كم) جعلها في منأى عن الصراعات التي عاشتها اليمن منذ العام 2011م، ولم تتأثر بالانقسام الذي عاشه البلد المجاور لامبراطوريات النفط الخليجية، ولم تنتقل لها عدوى الحرب أو الانقسام المجتمعي، وحافظت على تماسك بنيتها الاجتماعية، ومؤسسات الدولة، التي ظلت قائمة، وتؤدي دورها، وذلك للعديد من العوامل، أبرزها خصائص المجتمع المهري نفسه، ثم بعدها الجغرافي عن مواطن النفوذ، وسباق السيطرة الذي برز خلال السنوات الأخيرة، لدى أطراف الحرب في اليمن.

 

استمر هذا الأمر كما هو عليه حتى اندلاع التدخل العسكري لدول التحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، التي أعلنت في الـ26 من مارس 2015م، حربا عسكرية في اليمن ضد جماعة الحوثي بمبرر إعادة الشرعية للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، الذي انقلب عليه الحوثيون بعد اسقاطهم للعاصمة اليمنية صنعاء في الـ21 من سبتمبر 2014م.

 

وخلال الأعوام 2015 – 2016 ظل الوضع كما هو عليه في محافظة المهرة، التي أعلن مواطنوها تأييدهم للشرعية السياسية للرئيس هادي، وأهداف التحالف العربي المعلنة، واستمرت مؤسسات الدولة في أداء مهامها، بشكل طبيعي، كما استمرت الحياة العامة تمضي فيها بكل هدوء، بل وتحولت المهرة إلى حاضن للالآلف من النازحين الذين فروا من مختلف المحافظات اليمنية جراء الحرب التي اندلعت فيها خصوصا محافظات الجنوب والوسط، التي اشتعلت فيها المعارك بين الحوثيين والتحالف العربي، كمحافظات عدن، والضالع ولحج، وتعز..إلخ

 

بداية السيطرة

 

مع نهاية العام 2017م كانت المهرة على موعد مع منعطف تاريخي في مسيرتها كأرض، وفي حياة سكانها أيضا، وتمثل ذلك بوصول قوات سعودية إلى المحافظة بمبررات جرى تسويقها في البداية لتدغدغ عواطف السكان، ثم تحولت لاحقا إلى أطماع لم تعد اليوم خافية على أحد.

 

ففي الثالث من نوفمبر 2017 وصل إلى محافظة المهرة مجموعة من الضباط السعوديين بصحبة جنود من محافظة المهرة جرى تأهيلهم في مدينة الطائف العسكرية بغرض رفع القدارات الأمنية للعناصر المحلية من أبناء المهرة في قطاع الشرطة، ووصلت تلك القوة إلى مطار الغيضة العسكري، واستقرت فيه، وقدمت وعودا للسكان بتأهيل المطار المحلي، لتتمكن من جلب المساعدات الإنسانية لهم بسهولة، بدلا من إيصالها للمحافظة عبر الطرق البرية، وجرى الاتفاق مع تلك القوات بحضور السلطة المحلية على الآتي:

 

•           عدم استخدام مطار الغيضة كقاعدة عسكرية.

 

•           بقاء الطاقم الاداري والأمني والعسكري للمطار على ما هو عليه.

 

•           التنسيق الدائم مع السلطة المحلية وعدم تجاوزها.

 

•           استخدام المطار للأغراض المدنية والمساعدات الانسانية فقط.

 

•           اعادة تشغيل للطيران المدني

 

تمركزت تلك القوات في مطار الغيضة، وتدريجيا بدأت بتثبيت تواجدها في المطار، مستغلة بقاء الحكومة اليمنية المقيمة في العاصمة السعودية الرياض، وكذلك رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي، في الحصول على التسهيلات الرسمية التي تؤهلها للبقاء لفترة أطول، ومد نفوذها، والتحكم بالمشهد العام في المحافظة.

                                                       

كانت أولى خطوات التمكين لتلك القوات الإطاحة بالمحافظ السابق محمد عبدالله كدة، وتعيين المحافظ الحالي راجح باكريت بضغوط من السعودية محافظا للمهرة في الـ27 من نوفمبر 2017م، والذي قدم كل التسهيلات للقوات السعودية، ومكنها من السيطرة على المحافظة ومقوماتها وثرواتها، وبات يمثل الرجل الأول لتنفيذ أجندتها في المحافظة.

 

كان تعيين راجح باكريت محافظا للمهرة ملبيا للرغبة السعودية المتطلعة إلى تمتين وتجذير تواجدها في المهرة، وأدى ذلك التعيين إلى تحويل التحركات السعودية في المحافظة لتعمل تحت غطاء رسمي، لكنه بعيد عن طموحات أبناء المحافظة، ومخيب لآمالهم، وكشف الأطماع السعودية القديمة في المهرة.

 

استطاعت الرياض من خلال المحافظ مواصلة أعمالها وتنفيذ أهدافها وأجندتها تحت إشراف الحاكم المحلي، الذي استغل الدعم المقدم له من الجانب السعودي، وعدم قدرة الحكومة اليمنية على انتقاد أهداف السعودية في المهرة ليعمل على تذليل كل العوائق أمام القوات السعودية، وفتح المجال أمامها لتنفيذ مخططها في المهرة.

 

الانطلاق من المطار

 

أمام هذا الواقع تمكنت القوات السعودية من تعزيز نفوذها في المهرة، واتخذت من مطار الغيضة المحلي قاعدة عسكرية لها، تنطلق منها نحو إدارة مختلف الملفات داخل المهرة، بل وحولته إلى ثكنة عسكرية، وتسببت بوقف الرحلات المدنية من وإلى المطار، واستحدثت فيه سجونا لاحتجاز واعتقال المناوئين لها من أبناء المهرة.

 

وانطلاقا من المطار سارعت القوات السعودية لإنشاء واستحداث معسكرات لقواتها التي ارتفع عددها بشكل تدريجي، كما أنشأت العديد من النقاط الأمنية في مختلف مديريات المحافظة، وجندت مليشيا محلية لاتتبع الجيش اليمني أو قوات الأمن المحلية، وأوكلت لها مهمة التواجد في تلك المعسكرات والنقاط، بينما تتولى هي الإشراف العسكري الكامل عليها.

 

بلغت تلك المعسكرات والنقاط الأمنية المستحدثة أكثر من ثلاثون معسكرا ونقطة أمنية، وتركزت أغلبها في سواحل المهرة، وكان المبرر الذي تقدمه القوات السعودية هو مكافحة تهريب الأسلحة التي تزعم الرياض أنها تصل لجماعة الحوثي، وأعلنت أكثر من مرة عن ضبط أسلحة ومعدات عسكرية، لكن تلك الوقائع لم يتم تدعيمها بالحقائق الواضحة، بل إنها كانت أشبه بالدعايات المضللة التي تحاول من خلالها تلك القوات تبرير بقائها في المهرة، وتشويه صورة المناهضين لها، فالأشخاص الذين أدعت تلك القوات القبض عليهم لايزالوان طلقاء داخل المهرة.

 

واللافت في موضوع التهريب للأسلحة كما تروح القوات السعودية  أنها لم تسجل حتى اليوم حالة تهريب واحدة، أو تضبط من يقوم بعملية التهريب، أو تثبتها بشكل واضح، كما أن تلك القوات نفسها ترفض إشراك قوات الجيش المتواجدة في المهرة، وهي عبارة عن لوائين عسكريين يتبعان المنطقة العسكرية الأولى التابعة للجيش اليمني، ويقودها محافظ حضرموت الحالي فرج البحسني، وتصر على استخدام مليشيا مسلحة موالية لها أو أفراد من القبائل التي تدين لها بالولاء، و تغدق عليها بالأموال، وأغلبها تحمل الجنسية السعودية، إلى جانب الجنسية اليمنية.

 

محافظ يعمل لمصلحة السعودية

 

ولم تقف الإجراءات التي اتخذتها القوات السعودية المتواجدة في المهرة عند حدود الأعمال العسكرية التي تقوم بها، بل إنها ذهبت للتدخل في شؤون السلطة المحلية، ومن خلال حاكم المهرة الذي يدين لها بالولاء جرت إقالة العديد من الموظفين الحكوميين من ممناصبهم الحكومية، واستبدالهم بآخرين، وهدفت هذه الخطوة إلى معاقبة الموظفين الرافضين للتواجد السعودي في المهرة، وتمكين شخصيات أخرى موالية لها، لتكتمل عملية التحكم بالمحافظة على الجانبين المدني والعسكري، وتم تسجيل العديد من حملات الإقالات التي استهدفت العديد من الشخصيات، في أكبر عملية من نوعها تشهدها المحافظة في تاريخها.

 

أبرز تلك الإقالات تتمثل في إقالة الزعيم القبلي البارز الشيخ علي سالم الحريزي من منصبه كوكيل للمحافظة لشؤون الصحراء، والعميد أحمد قحطان من منصبه كمدير لأمن المحافظة، وجرى استبدالهم من الموالين للقوات السعودية، بالإضافة لشخصيات أخرى في مختلف قطاعات الوظيفة العامة.

 

ومن تلك الإقالات إقالة علي عفرار من منصبه كمدير لمكتب حقوق الإنسان في المهرة بعد إصداره تقرير حقوقي كشف فيه ممارسات القوات السعودية في المحافظة، والانتهاكات التي ارتكبتها، والتداعيات التي أحدثها ذلك التواجد.

 

وكان لذلك التقرير الذي صدر في الثالث عشر من ديسمبر 2018م  صداه الواسع في لفت الإنتباه لما يجري في محافظة المهرة، وتطرق لكل الانتهاكات، ومظاهر الفوضى التي انتهجتها القوات السعودية في المهرة منذ اليوم الأول لوصولها.

 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جرى اعتقال العديد من الشخصيات في محافظة المهرة من قبل القوات السعودية، وايداعها في السجن الذي أنشأته داخل مطار الغيضة، ونقل بعضها إلى العاصمة السعودية الرياض، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وتجاوز للمؤسسات القضائية والتشريعية المحلية.

 

السيطرة على المنافذ

 

وفي سبيل تشديد القبضة على محافظة المهرة طالت يد العبث السعودي المنافذ البرية التي تربط اليمن بدول الجوار، وهي منفذين يربطان اليمن بسلطنة عمان المجاورة لليمن، الأول منفذ صرفيت ويقع في مديرية حوف، والثاني منفذ شحن، ويقع في مديرية شحن، وكلاهما يعتبران بمثابة الشريان الأساسي لدخول البضائع واحتياجات السكان من الغذاء والدواء والمواد الأخرى، خاصة بعد إغلاق التحالف العربي لبقية المنافذ البرية والموانئ البحرية الأخرى.
 

وإلى جانب المنفذين تواجدت القوات السعودية وأحكمت سيطرتها على ميناء نشطون البحري الوحيد في محافظة المهرة، وأنشأت قربه قاعدة عسكرية، وأخضعته لاشرافها المباشر، وهمشت دور كل الأجهزة الحكومية الرسمية فيه.

 

في المنافذ الثلاثة فرضت القوات السعودية قوائم بمواد منعت دخولها لليمن ومحافظة المهرة بشكل خاص، وفرضت مجموعة من الإجراءات التي ساهمت في التضييق على عملية الاستيراد للبضائع، وعطلت حركة التجارة، وعززت من القيود المفروضة على النقل البري، ما أدى لتراجع التجارة في تلك المنافذ، وزيادة معاناة السكان والتجار على حد سواء.


 

وفي سبيل تعزيز قبضتها عملت المملكة العربية السعودية في المهرة من خلال العديد من الأدوات ومن أبرزها القوات السعودية نفسها التي استقدمتها إلى المهرة منذ اليوم الأول، وتتشكل من عدة جنود وضباط يتبعون القوات المسلحة والديوان الملكي والاستخبارات السعودية، إضافة لمشائخ القبائل الموالين للسعودية ويحملون جنسيتها، والذين تغدق عليهم بالأموال، وووهبتهم مزايا مالية وعسكرية، ووزعت عليهم الأسلحة.

 

وأثر هذا الحضور السعودي على العديد من جوانب الحياة في محافظة المهرة، كالتضييق على الصيادين في السواحل، والانقسام المجتمعي داخل المحافظة، والاضطرابات الأمنية المتواصلة، ورسم صورة مسيئة للمواطنين هناك.

 

الإعمار ذراع أخرى

 

أما أهم تلك الأدوات فهي برنامج إعادة الإعمار الذي يشرف عليه ويرأسه السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، بمبرر تنفيذ مشاريع محلية بتمويل سعودي، ويشكل هذا البرنامج الغطاء والذراع الإنساني في الحضور والتواجد داخل المهرة، والذي تم تدشينه رسميا في الزيارة التي قام بها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي للمحافظة في الأول من أغسطس 2018م، وأعلن فيها عن جملة من المشاريع التي لم تنفذ حتى الآن، ويتم استغلال تلك المشاريع في الوقت الراهن كأسلوب ترغيب في أوساط السكان بالمهرة.

 

كما تعمل السعودية في المهرة من خلال شبكة من السلفيين ورجال الدين الذين استقدمتهم القوات السعودية من عدة محافظات يمنية، ويتبعون رجل الدين السلفي الشيخ الحجوري الذي غادر مدينة صعدة في العام 2013م مع طلابه في دار الحديث بدماج، وقامت القوات السعودية بتوزيعهم على عدة مديريات في المهرة. 

أدت هذه الممارسات إلى لفت انتباه أبناء المهرة لما يحاك لمحافظتهم، فانطلقت الاعتصامات التي نظمها أبناء المهرة احتجاجا على ما تفعله القوات السعودية، وتداعى الجميع إلى مدينة الغيضة (عاصمة المهرة) وأعلنوا الدخول في اعتصامات مفتوحة منددين بما يجري في المحافظة، وكانت تلك الاعتصامات أنصع صور النضال السلمي الذي جسده أبناء المهرة، وهم يؤكدون على مطالبهم المشروعه، ويلفتون الإنتباه لما يجري في محافظتهم.

 

وفي التاسع من مايو 2018م نظم شباب المهرة ذكورا وإناثا وبمختلف انتمائتهم السياسية والقبلية، أول اعتصام شعبي رفعوا فيه ستة مطالب واضحة تمثلت بالأتي:

 

1-إعادة العمل في منفذ شحن وصرفيت وميناء نشطون إلى وضعهم الطبيعي  ، وتسليمهم الى قوات الأمن المحلية والجيش بحسب توجيهات فخامة الأخ رئيس الجمهورية ونائبة بالبرقية رقم (41 لعام 2017م) وعدم السماح لأي قوات غير رسمية بالقيام بالمهام الأمنية في محافظة المهرة بشكل عام والمنافذ الحدودية بشكل خاص والعمل على تسهيل معاملات وإجراءات  المواطنين فيها.

 

2-العمل على إعادة مطار الغيضة الدولي إلى وضعه السابق  كمطار مدني تحت اشراف السلطة المحلية بالمحافظة وتسليمه لقوات الأمن التابعة لها.

 

3-رفع القيود الاستثنائية المفروضة على حركة التجارة والاستيراد والتصدير في منفذي شحن وصرفيت وميناء نشطون التي تؤثر بشكل سلبي على الإيرادات التي تحتاجها المحافظة لتوفير الخدمات الأساسية وتسيير حياة المواطنين.

 

4-مراعاة العمل حيثما أمكن لتحقيق التكامل بين قيادة المحافظة ومدراء الأجهزة ألتنفيذية وفق قانون السلطة المحلية بحيث تصب جميع الجهود لصالح خدمة المحافظة وأبناءها.

 

5-إعطاء الأولوية لتحسين وضع الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرقات وغيرها من الخدمات المرتبطة بحياة الناس.

 

6-إعطاء إهتمام خاص لبناء مؤسسة الشرطة المحلية بناءً وطنياً تمهيد واستعداداً لقيامها بمهامها لاحقاً في إطار مشروع الأقاليم ومن ضمنها إقليم المهرة وسقطرى.

 

جرى تقديم تلك المطالب للسلطة المحلية، ومنها إلى قيادة القوات السعودية المتواجدة في المهرة، وتم منح مهلة للنقاش والوصول إلى اتفاق، لكن ذلك لم يحدث، ما دفع المعتصمين لمعاودة اعتصامهم من جديد، معلنين تمسكهم بمطالبهم الستة، وحددوا أهدافهم من الاعتصام والتي تمثلت بالآتي:

 

1-الحفاظ على السيادة الوطنية اليمنية.

 

2-دعم الشرعية بقيادة فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي.

 

3- تأييد التحالف العربي لدعم الشرعية.

 

4-الوقوف مع السلطة المحلية وأجهزتها التنفيذية المدنية والعسكرية والأمنية والحفاظ عليها من العبث.

 

5- متابعة تحقيق المطالب السته للاعتصام السابق.

 

6- تحديد موجهات العمل للمستقبل خدمة للمحافظة.

 

7-مواصلة الاعتصام حتى تحقيق الاهداف والمطالب.

 وفي تاريخ العاشر من يوليو 2018 تم توقيع محضر اتفاق مشترك بين بين السلطة المحلية بالمحافظة وقيادة التحالف ممثلة بالجانب السعودي، كما تم توقيع اتفاق آخر في اليوم التالي بين السلطة المحلية واللجنة المنظمة للاعتصام والشخصيات الاجتماعية، وتضمنت تلك الاتفاقات الوصول إلى تفاهمات مع الجانب السعودي لوضح حل لما يجري في محافظة المهرة، وعزز هذا الاتفاق بتكليف الرئيس عبدربه منصور هادي لمدير الأمن اللواء أحمد محمد قحطان بالاستماع لوجهات النظر ومطالب المعتصمين والعمل على حلها.

توصلت جميع الأطراف بناء على ذلك الاتفاق لتنفيذ مطالب المعتصمين الستة وتفصيلاتها خلال شهرين من التوقيع على محضر الإتفاق الذي وقع عليه الجميع بما فيهم ممثلا عن القوات السعودية، وأعلن المعتصمون تشكيل لجنة لمتابعة عملية التنفيذ، وكلك تعليق الاعتصام لافساح المجال أمام الحلول، على أن يتم استئناف الاعتصامات في حال عدم تنفيذ بنود الاتفاق.

وبدلا من تنفيذ بنود الاتفاق تفاجئ المعتصمون وسكان المهرة باصدار الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي قرارات جمهورية بضغوط من الحكومة السعودية قضت بإقالة الزعيم القبلي علي سالم الحريزي من منصبه كوكيل للمحافظة، وإقالة اللواء أحمد قحطان الذي كلف بحل الخلاف مع القوات السعودية، وتعيين بدلاء لهما، إضافة إلى أن القوات السعودية نفسها أقالت القائد العسكري الذي كان وقع ذلك الاتفاق.

وأدى ذلك لتجميد الاتفاق، والتحايل عليه، وواصلت القوات السعودية الانتهاكات والاستحداثات العسكرية، بينما رد المعتصمون بعودة الاعتصامات التي لقت زخما واسعا، وحضورا شعبيا من مختلف مديريات المحافظة.

تصعيد ميداني

لكن التعنت السعودي ظل قائما، بل وزاد من وتيرة تدخله في محافظة المهرة بشكل أكبر، ووصل إلى درجة القتل والاستهداف المباشر للمناوئين للتواجد السعودي، ووصل الأمر إلى الاستهداف المباشر للمعتصمين، مثلما جرى في حادثة الأنفاق الشهيرة.

تلك الحادثة وقعت في الـ13 من نوفمبر 2018 عندما أطلقت مليشيا مسلحة تمولها السعودية النار على مجموعة من المعتصمين في منطقة الأنفاق الواقعة على الطريق المؤدية من مدينة الغيضة إلى مديرية قشن، وحدثت عندما تداعى السكان إلى المنطقة معلنين احتجاجهم على استحداث معسكر جديد للقوات السعودية بتواطؤ من محافظ المحافظة.

وأثناء انتظار المعتصمين للجنة وساطة محلية سعت لحل الخلاف وتهدئة الوضع ومنع التصعيد اقتحمت مكان المعتصمين مدرعة سعودية وباشرت بإطلاق النار على المعتصمين، ونتج عن ذلك مقتل الشابين علي احمد عرعره الجدحي، وناصر سعيد أحمد نشوان، وإصابة سالم سمحان غفيل الجدحي بجروح بليغة.

ورغم بشاعة الجريمة وما أحدثته من ردود فعل منددة، فلم يتم حتى اللحظة القبض على الجناة، وتقديمهم للعدالة، ومحاسبة المتورطين، وكانت تلك الحادثة هي أول استهداف دموي يتعرض له أبناء المهرة، التي لم تسجل فيها أي حالات صدام مماثلة طوال العقود الماضية.

أدت تلك الأحداث لبروز الدور السعودي بشكل كبير في أسلوب مغاير لما تنتهجه المملكة العربية السعودية في المحافظات اليمنية الأخرى التي تتواجد فيها، ودفع هذا الرئاسة اليمنية لتشكيل لجنة خاصة وارسالها إلى المهرة لتقييم الوضع هناك، برئاسة رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن بحري عبد الله النخعي، وعضوية كلا من وكيل وزارة الداخلية، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، ووكيلي جهازي الأمن القومي والسياسي.

وصلت تلك اللجنة محافظة المهرة في الـ17 من مارس 2019، والتقت بحاكم المحافظة راجح باكريت، وممثلين عن الجيش والأمن، والشخصيات القبلية والاجتماعية، ومكثت هناك لعدة أيام، واستمعت فيها لوجهات النظر من جميع الأطراف، وزارت المنافذ البرية، والمصالح الحكومية.

كان من المتوقع أن تؤدي تلك الزيارة إلى وضع حلول تستوعب مطالب أبناء المهرة الرافضين للتواجد السعودي، وتتفهم مواقفهم، وأن تضع حلولا تنهي الإشكاليات القائمة، وتحد من النفوذ السعودي الذي يتضخم كل يوم هناك، لكن ذلك لم يحدث حتى اللحظة.

بل إن المحاولات السعودية الرامية لبسط سيطرتها على محافظة المهرة لم تتوقف بمبررات عديدة، وواصلت القوات المتواجدة هناك تصعيدها العسكري، وتلفيق التهم وابتداع الأعذار لتكدير الوضع هناك وتفجيره، وتجلى ذلك بقصف نقطة اللبيب العسكرية بطائرات الأباتشي السعودية في الـ18 من أبريل 2019م، بحجة تعرض محافظ المحافظة راجح باكريت لمحاولة اغتيال، وهي الحادثة التي جرى تلفيقها وتسويقها، للإساءة لأبناء المهرة، وتعزيز التواجد العسكري السعودي في المحافظة.

لاتزال المحافظة تشتعل في الوقت الراهن، وتطور الوضع مؤخرا لدخول الطيران السعودي ميدان المعركة من خلال استهدافه أبناء المهرة عبر قائمة من التبريرات التي يقدمها من وقت لآخر، وتسجل بذلك السعودية تطورات عسكرية في الأرض اليمنية غير معهودة من قبل.

إن الوضع في المهرة لايزال مهددا بالتصعيد، خاصة مع استمرار بقاء القوات السعودية، وانتهاجها لسلوك السيطرة والاستحواذ، مستفيدة من تحكمها بالحكومة الشرعية التي تقيم في العاصمة الرياض، وكل الحلول التي ستقدم في ظل بقاء تلك القوات داخل المحافظة لن تشكل أي علاج لما يجري في المهرة اليوم.


تعليقات
اقراء ايضاً