الغارديان البريطانية: الكوليرا وسوء التغذية وحمى الضنك..أمراض تفتك بأبناء شبوة وشط جهود تبذلها السلطات المحلية لتفادي الكارثة

الخبر بوست -  ترجمة الأحد, 10 يناير, 2021 - 03:56 مساءً
الغارديان البريطانية: الكوليرا وسوء التغذية وحمى الضنك..أمراض تفتك بأبناء شبوة وشط جهود تبذلها السلطات المحلية لتفادي الكارثة

في أحد الاجنحة من مستشفى عتق العام وفي محافظة شبوة ذات الجو الصحراوي والغبار وسط اليمن، تستلقي منى بسام البالغة من العمر ستة أشهر على ظهرها، وعيناها مغمضتان، وبطنها الصغير المنتفخ يتحرك صعوداً وهبوطاً مع صعوبة في التنفس.

 

في الممر خارج غرفة منى، تظهر ملصقات وصور لأطفال تمكنوا من التعافي من مرض سوء التغذية الحاد – مازال هؤلاء الأطفال نحيفون بشكل مخيف، لكنهم مبتسمون وفي قمة اليقظة.

 

قامت عائلة منى بنقلها الى المستشفى مرة سابقة ايضاُ وهذه المرة الثانية. قلقون جداً بشأن دفع تكاليف العلاج وكذلك دفع الوقود للسيارة التي ستعيدهم الى قريتهم، لذلك فدعواتهم هذه المرة لها بالشفاء أصبحت أكثر إلحاحاً.

 

"كان لدي انا وزوجتي 20 طفلاً، توفي منهم 11 " يقول الجد عبدالله، " كان هذا قبل وقت طويل، ولا يمكن أن يستمر حدوث هذا في هذه الأيام".

 

في أماكن أخرى من هذا المستشفى المزدحم والمكتظ، يعاني أطفال اخرون من أمراض الكوليرا والدفتيريا وحمى الضنك، وهي أمراض معدية تلاحق اليمنيين منذ اندلاع الحرب قبل ست سنوات، بالنسبة للمرضى والأطباء هنا، فيما تسميه الأمم المتحدة بأسواء ازمة إنسانية في العالم ، فإن فيروس كورونا بالكاد يسجل أي حالات هنا.

 

" ليس لدينا طبيب أعصاب، ليس لدينا جناح للولادة، نعالج أكثر من 20 طفل شهرياً يعانون من سوء التغذية الحاد، والان نستقبل المزيد والمزيد من الأشخاص المصابين بأمراض خطيرة من مضاعفات حمى الضنك – أكثر من 3000 حالة حتى الأن هذا العام. كما أن المولد الكهربائي لا يتحمل تشغيل كل الأجهزة" حسب كلام الدكتور علي ناصر سعيد، مدير المستشفى، كما يضيف كذلك " أن فيروس كورونا ليس أكبر مشاكلنا حالياً".

 

شبوة، المنطقة الغنية بالنفط التي تتنازع عليها كل أطراف الحرب الثلاثة المتنازعة، والتي تخضع حالياً وبقوة لسيطرة القوات الموالية للحكومة منذ الصيف الماضي. تعتبر المحافظة غنية بالنفط ومستقرة نسبياً مقارنة بالمناطق الأخرى في البلاد، مما دفع النازحين بسبب القتال في المحافظات الأخرى وكذلك المغتربين العائدين من المملكة العربية السعودية الى الاستقرار فيها.

 

ونتيجة لذلك، تضخم عدد السكان في شبوة من 600 الف نسمة الى ما يقدر بنحو مليون نسمة، وبدأت مواقع البناء الخرسانية والمخططات السكنية الجديدة تنتشر في الرمال على مشارف عتق.

 

كانت قوافل طريق الحرير تعبر الجبال الشامخة التي تطل على سهول شبوة للبحث عن اللبان، واليوم تم استبدالها بأنابيب النفط وقوافل الناقلات الكبيرة.

 

محافظ شبوة الأستاذ محمد صالح بن عديو الذي تم تعيينه في عام 2018، استثمر الملايين في تعزيز قوات الأمن المحلية ومشاريع البنية التحتية لمحاولة جذب شركات النفط الأجنبية للعودة الى المنطقة. لكن الاقتتال المستمر في المنطقة بين التحالف السعودي المدعوم من الغرب والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، والحركة الانفصالية الباحثين عن استقلا ل الجنوب، كل هذا الصراع لا يظهر أي مؤشرات على توقف الحرب قريباً. كما لا يزال تنظيم القاعدة متربصاً ومنتظراً الفرصة في الصحراء.

 

المجاعة تلوح في الأفق

 

بالنسبة لليمنيين العاديين ، لا يمكن تخفيف أثار الحرب الى حد اللحظة، فقد فقدت العملة المحلية ثلثي قيمتها السوقية منذ بدء الصراع ولا زالت مستمرة في التراجع، مما يجعل من الصعوبة بمكان توفير الطعام والاكل الأساسي للمواطنين. أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ، الى جانب نقص المساعدات الإنسانية يعني ان احتمال انتشار المجاعة بين فئات الشعب اصبح يلوح في الأفق مرة أخرى.

 

أظهرت دراسات أجرتها وكالات الأمم المتحدة أن مرض سوء التغذية الحاد في جنوب اليمن، بما فيها شبوة، قد أرتفع هذا العام بنسبة 10% ، و نسبة 15% ما دون سن الخامسة.

 

في ساحة سوق عتق ، يبيع الجميع ولكن لا أحد يشتري. في الساعة الحادية عشر صباحاً يجلس تجار ورعاة العسل ينتظرون أن يقومون بأول عملية بيع لهم في اليوم.

 

وفي محل لبيع زيت السمسم قريب من المكان، " حتى ولو اشتغلت الكهرباء، فقد استنفذت كل نقودي من أجل التسديد". يقول مالك المحل.

 

تم تدمير أكثر من نصف المرافق الصحية في البلاد، وتوفي مئات الأطباء أو فروا من البلاد، وغالباً لا يتم دفع الرواتب في القطاع العام، مما يشكل ضغطاً كبيراً جدا على المستشفيات والعيادات العاملة المتبقية.

 

في بداية عام 2020 ، عندما بدأ كورونا كوفيد  19 في الانتشار من الصين حول العالم، توقع العاملون الصحيون ووكالات الإغاثة أن تأثير الفيروس على السكان في اليمن سيكون كارثياً، ويتوقعون أن يكون معدل الإصابات في اليمن بنسبة  90% .

 

ومع ذلك، ورغم المحن والآلام الأخرى، يبدو أن الدولة التي مزقتها الحرب قد خرجت سالمة نسبياً من الوباء، حيث أبلغت فقط عن 2124 حالة إصابة و 611 حالة وفاة فقط حتى الان.

 

مرافق الاختبارات والبيانات الشاملة غير موجودة تقريباً، لذلك فمن المؤكد ان تلك الاحصاءات الرسمية لن تعكس التأثير والمدى الحقيقي لفيروس كورونا. ولكن وفقاً للعديد من الاطباء والمسؤولين في مراكز الرعاية الصحية في شبوة على الاقل ، فإن الفيروس ليس مصدر قلق ملح.

 

لم يستقبل  المركز الجديد والضخم لفحص كورونا وللحجر الصحي في مدينة عتق(يعتبر أفضل مرفق صحي مخصص لهذا الغرض في البلاد كلها) حتى مريضاً واحداً منذ شهر اغسطس. يقوم الاطباء المختصون هناك بفحص واختبار المعدات الواقية من الراس الى اخمص القدمين  وكذلك بتعقيم الاسطح، بسبب عدم وجود ما يشغلهم في هذا المكان، خلال زيارة مجموعة من الصحفيين الأجانب الى هناك.

 

اجرى المركز ما يقارب 4000 الف فحص حتى الان، وجاءت منها فقط 90 حالة ايجابية، وسجلت محافظة شبوة كلها 46 حالة وفاة فقط.

 

وعند سؤاله عن سبب انخفاض عدد حالات الاصابة بكورونا  - كوفيد  19 في اليمن بشكل كبير مقارنة بأي مكان اخر، على الرغم من عدم الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي، واجراءات النظافة الاضافية، يجيب مدير المركز الدكتور هشام سعيد إن " الروح المعنوية العالية للناس، وكذلك المجتمع الملتزم وغير المنحرف، حفظ اليمنيين في مأمن من هذا الفيروس".

 

ومع ذلك ن فهو قلق من وصمة العار المتزايدة المرتبطة بالأشخاص المصابين، وصعوبة السفر، والتي تعني بأن الاشخاص الذين يحتاجون الى العلاج يقيمون في منازلهم فقط. يضيف الدكتور هشام انه " من الصعب جداً تحديد تأثير ونوعية الحمى فبعض الناس يعتقد انها حمى طبيعية، وأحياناً كثيرة جداً يسألني العديد من الناس ما أذا كانت كورونا مجرد كذبة كبيرة.

 

يشير تحليل صور الاقمار الصناعية للمقابر في محافظة عدن الجنوبية، حيث يبدو ان كوفيد  19 قد ضرب المنطقة بقوة، كما وجدت دراسة من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي أن عدد المدافن الجديدة في المنطقة قد تضاعفت تقريباً منذ تأكيد اول حالة لـ كوفيد  19 في شهر ابريل، وكان هناك  2100 حالة وفاة ، مقابل خط الاساس المتوقع ب حوالي  1300 حالة بحلول نهاية سبتمبر. 

 

وجد التحليل الذي اجرته مؤسسة ميد قلوبال الطبية الخيرية، والذي نشر في يوليو تموز ، أن ما لا يقل عن 97 عاملاً يمنياً في الرعاية الصحية قد ماتوا بالفعل بسبب المرض، مما يشير الى أن العدد الحقيقي لعدد الحالات وعدد الوفيات أعلى بكثير مما تم تسجيله رسمياً.

 

في الوقت الحالي، يبدو أن ذروة هذه الجائحة في اليمن – أو على الاقل الموجة الاولى – قد تراجعت ، مما سمح للعاملين في مجال الصحة ، بالتركيز على الازمات الصحية الملحة الاخرى في البلاد.

 

تمكن محافظ شبوة بن عديو من توفير الرعاية الصحية لمحافظة شبوة، من أيدي الحكومة المركزية الضعيفة والمنفية، حيث قام بتمويل معظم التكاليف التشغيلية في مستشفى عتق العام، وإنفاق أكثر من مليوني دولار في مجمع المستشفى الجديد الموجود بالقرب من مركز كوفيد 19.

 

بدأ العمل في هذا المستشفى الجديد في عام 1994 لكن المرفق لم ينته ابداً ولم يفتتح، حيث انقطع التمويل، أو اختطفه المسؤولون الفاسدون. وفي العام  2015 ، أستولى الحوثيون على المبنى الفارغ واستخدموه كقاعدة لهم، مما دفع التحالف الذي تقوده السعودية الى قصفه.

 

وبعد خمس سنوات من العمل الشاق تم اصلاحه بالكامل، ويقوم عمال البناء بتركيب أنظمة التكييف والاضاءة المركزية. الممرات الفارغة تفوح منها رائحة الطلاء الجديدة تنتظر المعدات الطبية التي وعدت الجمعيات الخيرية الدولية مثل منظمة أطباء بلا حدود بتقديمها.

 

من المفترض أن يحتو ي هذا المستشفى الجديد على 240 سريراً ، مقارنة ب 140 سريراً موجودة الموجودة في مستشفى عتق العام، وسيضم اقساماً مخصصة للأمومة والطفولة، وأمراض القلب والأمراض المعدية. مع وجود مولد كهربائي قوي وكافي لتشغيل الكهرباء والشاشات وأجهزة التهوية بالعمل لمدة 24 ساعة وبدون أي انقطاع.

 

تأمل السلطات المحلية في محافظة شبوة أن يتم تشغيل المستشفى، في أوائل العام 2021 ، على الرغم من أن العديد من العقبات لاتزال قائمة. منها توفير الكادر المدرب والمؤهل، لتشغيل المعدات والأجهزة وكذلك ضمان وصول الامدادات من الادوية. حتى في هذه الاجزاء من البلاد مثل محافظة شبوة والتي لا تخضع للحصار السعودي.

 

" فقدت طفلاً صغيراً الاسبوع الماضي بسبب حمى الضنك لأنه لم يكن لدينا مضادات للسموم لنعطيه إياه. أتصلت بكل المستشفيات في الجنوب ولكن لم يكن لدى احدهم أي منه، " ربما كان سيعيش" كما يشرح واصفاً لنا رئيس قسم الاطفال الدكتور  صالح الخمسي، مضيفاً كذلك قائلاً " حتى لو انتهت الحرب ، أخشى اننا قد فقدنا جيلاً بالفعل".


تعليقات
اقراء ايضاً