تأخّر لقاح 'كورونا'.. الرّعب الذي يطارد مئات المغتربين اليمنيين في الداخل

الخبر بوست -  بلقيس نت السبت, 25 سبتمبر, 2021 - 11:38 صباحاً
تأخّر لقاح 'كورونا'.. الرّعب الذي يطارد مئات المغتربين اليمنيين في الداخل

ينتظر الشاب سامي حسن (32 عاماً)، في أحد أرياف محافظة تعز، بخوف وقلق خبر وصول الجرعة الثانية من لقاح 'كورونا'، ليبدأ رحلةَ بحث أخرى للحصول عليه بأي وسيلة أو ثمن، كونه سيمكّنه من مغادرة البلاد، والعودة إلى السعودية. 

 

منذ 8 أشهر وهو يتواجد مع أسرته، وهي مدّة تفوق الإجازة السنوية بشهرين قضاهما مرغماً ومحاطاً بالكثير من الهموم والمخاوف على مستقبله وعمله، في ظل انقضاء المدة المحددة في تأشيرة الخروج والعودة، واقتراب موعد تجديد إقامته، التي تُوشك على الانتهاء وهو خارج الأراضي السعودية، التي لم يتمكّن من العودة إليها للعمل فيها "مُعلم طلاء".

 

عدّة أسابيع من الانتظار المُر والطويل والمؤرِّق قضاها حسن في البحث عن حل لمعضلته ووسيلة تمكِّنه من الحفاظ على 'الفيزا'، والعمل خارج البلاد، كونهما يمثلان مستقبله وأمله في الحياة، والشريان الذي يمد أسرته بالحياة، ويمنحها البقاء والصمود في وجه التداعيات الكارثية للحرب التي تشهدها البلاد للعام السابع على التوالي.

 

تواصل مع كفيله السعودي، وبعد محاولات تمكّن من إقناعه بتمديد إجازته شهرين إضافيين، كما بعث له بالرسوم اللازمة، ومبلغا ماليا، وذلك مقابل جهوده في متابعة الإجراءات، التي أتمّها بنجاح، ما جعل حسن يتنفّس الصُّعداء، وبعث في نفسه الأمل والطمأنينة. ولكن ذلك لم يدمْ طويلاً، فالإجازة الإضافية، التي حصل عليها، أوشكت على الانتهاء قبل أن يتلقّى اللقاح الثاني ل'كوفيد - 19'.

 

أحدقت به الهموم مجدداً، وولج في مرحلة أخرى أشدّ بؤساً وإيلاماً وأرقاً وإحساساً بالفاجعة، وقلّة الحيلة، والعجز عن تفادي ضياع مستقبله وفقدان عمله، الذي يشكّل مصدر دخل وحيدا لعائلته الصغيرة المكوّنة من زوجة وطفلين إلى جانب عائلة أخرى تتضمن والده ووالدته وستة أشقاء وشقيقات. 

 

مرّت الأيام، ولم يتسنَّ له الحصول على لقاح 'استرازينكا' مرة أخرى، فانزوى وحيداً في إحدى غرف منزله، وأغرق في شروده، وتفكيره بإمكانية ضياع فرصته الأخيرة دون أن يأخذ اللقاح ويتمكّن من العودة إلى السعودية، كما أخذ يتساءل: ماذا لو حدث العكس من ذلك وعدت؟ كيف سأتدبّر أمر تجديد الإقامة، ودفع 6 آلاف ريال سعودي، تتوزّع بين رسوم للحكومة السعودية وحق الكفيل.

 

يقول حسن لموقع "بلقيس": "إذا لم أحصل على اللقاح في القريب العاجل فلن أتمكَّن من السفر إلى السعودية، حيث ستنتهي إجازتي هنا، ولم أتمكَّن من الحصول على إجازة إضافية، فإقامتي هناك ستنتهي قريباً، وتحتاج إلى التجديد".

 

تداعيات التأخّر 

 

ويضيف: "تبعات ذلك ستكون كارثية، حيث ستتفاقم معاناتي، وسأعجز عن إطعام أسرتي، والإيفاء بالتزاماتي نحوها، وتلبية احتياجاتها، وتأمين متطلباتها المعيشية، وتغطية نفقات التعليم والسكن والماء والكهرباء والدواء، وتحمّل تكاليف علاج والدتي المصابة بالسكر وضغط الدم، ووالدي الذي يعاني من أمراض القلب".

 

اعتراه التفاؤل مؤخراً، وهو يتصفّح أخبار وصول الجرعة الثانية من اللقاح إلى العاصمة المؤقتة (عدن)، وأمل أن يتم توزيعه على المحافظات بسرعة، وتجاوز الاختلالات التي رافقت حملة التطعيم السابقة، التي كُلما تذكَّرها تملَّكه الإحباط، وأخذ يفكِّر بتلك الصعوبات. 

 

يتخوّف من عدم حصوله على جرعة اللقاح الثانية، التي بدونها لن يقدر على السفر والعودة إلى عمله، ومعها سيتوقف الدعم المادي الذي كانت تتلقاه أسرته، ما سيجرها نحو مربّع الفقر والجوع والمرض والبؤس والشقاء، وشدة الحاجة، وتردي الأوضاع المادية والمعيشية والصحية والاقتصادية، والتوقف عن التعليم والحرمان من الغذاء والدواء والماء والمأوى، وغيرها من متطلبات العيش والبقاء.

 

لم يتمكّن المئات، وربما الآلاف من العودة إلى السعودية، التي تشترط سلطاتها حصول العائد إليها على جرعتي لقاح، وهو شرط تعجيزي ولا يراعي الظروف الصعبة والأوضاع الراهنة لبلاد تعاني انهيارا اقتصاديا وصحيا وإنسانيا وخدميا، ويصعب على أبنائها المغتربين المتواجدين فيها حالياً التطعيم ضد الفيروس التاجي، يقول مهتمون.

 

تلعب شريحة المغتربين دوراً محورياً في التخفيف من وطأة المجاعة والفقر في بلد يعيش أسوأ وأخطر أزمة إنسانية على مستوى العالم، كما تشكّل رافداً حيوياً للاقتصاد المحلي، وتمده بالحياة، وترفده بالنقد الأجنبي، في الوقت الذي جفت فيه مصادره الأخرى، وتوقفت المطارات والموانئ، وصادرات النفط والغاز، حسب خبراء أكدوا لموقع "بلقيس" أن تبعات عدم تزويد المقبلين على السفر بالجرعة الثانية، وتمكينهم من العودة إلى أعمالهم، خطيرة، وتتجاوز المستوى الشخصي والأسري إلى الوطني.  

 

هواجس ومخاوف

 

تتشابه هواجس المتطلّعين نحو السفر إلى السعودية بعد انقضاء إجازاتهم، فالشاب عبدالعليم يحيى (30 عاماً) يخشى على مستقبله من الضياع، وتحتد مخاوفه يوماً بعد آخر، وتؤرِّقه الأفكار والهموم مع اقتراب موعد انتهاء مدة إقامته، التي تتطلب سفره العاجل لتجديدها، ودفع تكاليفها الباهظة، التي سيعجز عن سدادها في حال تسنَّى له العودة، وذلك لطول مقامه في بلده الأم، وحرمانه من العودة مبكراً، والعمل لعدة أشهر، حتى يتسنّى له حل الكثير من المشاكل المتعلِّقة بإجراءات تجديد الإقامة، ودفع رسومها الباهظة، إلى جانب دعم أسرته وقضاء ديونها، وتوفير مصاريفها، ونفقاتها الشهرية، كونها تعتمد بدرجة رئيسية على الحوالات المالية التي تتلقاها منه شهرياً، وتستعين بها في حياتها، وتأمين احتياجاتها، ومتطلباتها المعيشية، ونفقاتها ومستلزماتها المختلفة.

 

يذكر يحيى لموقع "بلقيس": "انتهت إجازتي منذ أسابيع، وينبغي أن أحصل على جرعة اللقاح الثانية، وأسافر إلى السعودية بشكل عاجل، لأن فترة إقامتي فيها على وشك الانتهاء، وينبغي عليَّ العودة بسرعة، وتجديد الإقامة، وإلا سوف أفقد عملي وفيزتي". 

 

يخشى بشدّة من تبعات عدم تمكُّنه من العودة إلى عمله، وإمداد أسرته بالمال، الذي سيصيبها انقطاعه بنكسة متعددة الأوجه، جراء توقف الشريان الوحيد الذي يمدها بالحياة والأمل، وفقدان العكاز الذي تستند عليه في تسيير أمور حياتها، ودفع الرسوم الدراسية، وتغطية نفقات التعليم لشقيقه وشقيقته في إحدى الجامعات الخاصة.

 

يستشعر آخرون المأزق الحقيقي، الذي وقعوا فيه، جراء تأخّر لقاح 'كوفيد-19'، الذي أجبرهم على البقاء داخل بلادهم مُكبّلين بالفراغ، وقلة الحيلة، والتوقّعات المُخيفة، وجعلهم يستحضرون صورة مأساوية لحالهم مع أسرهم، ويتحسسون تداعيات طول بقائهم، التي من بينها نفاد ما لديهم من مال، وتراكم الديون، وتدهو أوضاعهم الاقتصادية، ما وضعهم أمام مشهد مصغّر للوضع الذي سيكونون عليه في المستقبل.    

 

يُلقي ذلك بظلاله على أُسرهم، التي بدأت تلمس بعض التغيّرات السلبية في حياتها. أم محمد تلفت (55 عاماً) إلى مخاوفها الكبيرة على مستقبل نجلها، الذي لم يستطع حتى الآن السفر إلى السعودية، لعدم تلقيه جرعة لقاح 'كورونا' الثانية، وما رافقه من انقطاع المال الذي كانت تتلقاه أسرتها، وتعتمد عليه في توفير الغذاء والدواء والماء والكسوة وإيجارات السكن، ونفقات التعليم المدرسي والجامعي، وغيرها من الاحتياجات ومتطلبات العيش الضرورية.

 

مأساة الأُسر  

 

توضّح أم محمد: "ابني المغترب هو أملنا في الحياة، والعمود الفقري لأسرتنا، وهو الآن متواجد بيننا، ولم يستطع الحصول على لقاح 'كورونا'، ما جعلني أشعر بالخوف على مستقبله، ومستقبل عائلتنا، التي لولاه لماتت جوعاً وعطشاً".

 

تخاف هذه المرأة من ثقل العوز، الذي سيحل عليهم في حال عدم سفر ابنها، وتتوجس خِيفة من بعض الانعكاسات السلبية التي بدأت تلوح في الأفق، بما فيها الافتقار للمال، والعجز عن توفير بعض المتطلبات، وشراء أدوية ضغط الدم والسكر والروماتيزم لها.

 

عزز تأخّر سفره من إحساسها بخطورة ذلك، وتداعياته المتعددة، بما فيها العجز عن إطعام أطفالها، وتوقفهم عن التعليم، وتعرّضهم للطرد من المنزل، والجوع، والتشرّد، والحرمان، والتسرّب من المدارس والجامعات، والتوجّه نحو الشارع للعمل والتسوّل.

 

فقَدَ الكثيرون الأمل في مدى جِدية التصريحات الرسمية المتواترة حول اقتراب موعد وصول اللقاح، خصوصاً في تعز، التي ينحدر منها الكثير من المغتربين، الذين انتهت إجازاتهم في الداخل، وإقامتهم في الخارج، وذلك أثناء فترة انتظارهم، التي استمرت أسابيع وأشهرا، أيضاً.

 

جرعة اللقاح الثانية ليست التحدِّي الوحيد، فهناك مَنْ لم يستطع الحصول على الجرعة الأولى، جراء قِلة الكميات المتوفِّرة، والتزاحم الشديد على مراكز التلقيح، التي توافد إليها الآلاف، وذلك من داخل محافظة تعز وغيرها من المحافظات، وتعرّض بعضها للإغلاق، إلى جانب التلاعب باللقاح، والمتاجرة به في السوق السوداء، وفرض مبالغ مالية على الراغبين به، حسب مصادر متطابقة.

 

رافقت العشوائية عملية التطعيم السابقة، التي شابها نقص في كروت التلقيح الورقية، ولم يتم فيها استيفاء بيانات بعض الحاصلين على اللقاح، وتوثيقها بشكل صحيح، كما تم تأخير رفعها من قِبل مراكز التلقيح، وإدخالها إلى المنصة الإلكترونية التابعة لوزارة الصحة، الأمر الذي حال دون وصول رسائل تأكيدية لهواتف بعض الأشخاص الملقَحِين، كما لم يتمكّنوا من استخراج شهادات التطعيم الإلكترونية من المِنصة المخصصة لذلك، وهو ما يشير إليه مصدر مسؤول، موضحاً أن 70% من الذين تم تطعيمهم لم يحصلوا على كرت اللقاح الإلكتروني، ولا توجد بياناتهم على الرابط المُخصص من قِبل وزارة الصحة.


تعليقات
اقراء ايضاً