حديث عن أحزمة الموت الإماراتية

الإثنين, 25 نوفمبر, 2019


"منذ تعرضي للتعديب فقدت القدرة على الشعور بالسعادة، فقدت الاحساس بطعم الأشياء".
  العبارة السابقة استوقفتني كثيرًا، وقد وردت في شهادة المواطن السويدي مروان لطيف لفيلم "أحزمة الموت" الفيلم الصادم الذي بثته قناة الجزيرة بالأمس عن عملية الإغتيالات والسجون السرية للإمارات التي كان مروان أحد ضحاياها.
  طريقة حديث مروان ملفتة للنظر. هذا توصيف لا يقوله اليمني العادي في الأغلب، اليمني الذي لم يذق طعم الحياة بعد، يتألم لكنه يتلعثم في وصف ألمه، لا شك أنه يدرك الفرق بين حياة السجن والحياة خارجها لكنه يعجز عن توصيفها بشكل دقيق، لربما أن الفارق بين حياته داخل السجن وخارجها ضئيلة نوع ما، ولربما أن اليمني لم يعتد الحديث عن جروحه، يشعر أنها بلا ثمن، يعيشها ويترك للزمن مهمة ترميمها دون أن يسأله أحد عن وجعه أو يتهم به أحد، دون أن يحظى بفسحة للتوقف لمحادثة نفسه ومعالجة هزائمة بالكلمات.
  وحده مواطن ذاق طعم الحياة يستطيع قياس هول البشاعة وادراك الفارق بين حياته الطبيعية والحياة الوحشية في دهاليز السجون الإماراتية.
  كنت أقارن بينه وبين حديث اليمنيين وأشعر بالأسى، قد لا يكون الرجل أكثرهم تعرضًا للعذاب، لكنه أكثرهم قدرة على كشف آثار الألم على حياة الإنسان بشكل عام. بدأ مروان بشكل أنيق وآثار الحياة الجيدة تتجلى على ملامحه، فيما اليمنيين الذين أوردهم الفيلم أشكالهم باهتة وأجسادهم نحيلة ومعذبة. تحدث اليمني بنفسية مسحوقة ولسان مرتبك، نبرته الخفيضة تكشف حجم العذاب الذي تعرض له بأكثر مما يفعل كلامه.
  بخلاف مروان، تحدث عن الجرائم بلغة بليغة ومرتبة، تعكس فصاحة الذات المفزوعة واليقظة، الذات القادرة على استشعار الصدمة بصورتها الخام، وتلك حساسية مواطن اختبر الحياة ابتداء ثم عاش لحظة مواجهة أولية مع الفظاعة واستطاع قولها بلغة جيدة، كما لو أنه أديب يقف أمام الجرح بذاكرة صافية وقادرة على التقاط أبعادها النفسية على كينونة الإنسان.
  الإمارات لا تعبث ببلادنا سياسيًا واقتصاديًا فحسب، بل يتعدى ذلك لتدمير الحياة الداخلية/النفسية لقطاع كبير من اليمنيين، دولة سافلة تستخدم قدراتها الأمنية فائقة التعقيد وأدوات الدولة الحديثة بكامل وحشيتها لتمعن في إذلال اليمني وتطويعة كليًّا. لن ننس هذا العداء المهول والغرور الطافح الذي تعاملنا به، ويومًا ما سنقتص لليمني من جلود أولاد زائد ونعلمهم أن العبث بكرامة الناس، سلوك شنيع ولا يمكن للضحية أن يحظى بفرصة للنقمة من جلاديه دون أن يسلخ جلودهم عن العظام.

21 سبتمبر.. عار تاريخي


الاربعاء, 22 سبتمبر, 2021