ليلة 30 من رمضان

السبت, 23 مايو, 2020



كل قضية في هذه الحياة لا يحملها سوى المُخلِّص من الأفراد أيماناً ومحبة وحرصاً على نجاحها ورغبةً في ترسيخ هذه الفكرة والرسالة والرؤية لهذه القضية، أياً كانت هذه القضية لا بد لها من مؤمنين بها مقتنعين قادرين على حملها، سواءً كانت سياسية، فكرية، دينية، ثقافية، وطنية، إجتماعية الخ الخ. 

لا قضية على مدار التاريخ البشري حفظتها النقوش والمدونات والكتب ذُكرت هكذا لوحدها بدون فرد أو مجموعة أفراد مخلصين لها .. مؤمنين بها حاملين لتبعاتها على كواهلهم. 

القضايا الإنسانية العادلة هي ما تستحق أن يحملها الفرد، فعدالة القضية وإنسانيتها وقيمها الأخلاقية هي التي يتحملها العظماء من الناس، ولا يخجلون منها وتتمحور حولها حياتهم أو فترات منها. 

الإخلاص صفة لا يتصف بها أياً كان، هي من الصفات النادرة لدى البشر، قد يكون الفرد مُنصف، مضحي، صادق، شجاع، كريم، شهم، حليم، قد يتصف الفرد بواحدة أو أكثر من هذه الصفات، لكنها مجتمعة قد تؤهله ليكون مخلصاً، فالإخلاص يتطلب أكثر من قيمة أخلاقية ويتطلب معظم القيم المتعارف عليها حتي يكون الفرد مخلصاً حقيقياً. 

الزمن والمواقف والأحداث هي من تثبت إخلاص الفرد لقضيته، أما الادعاءات فسهلة، يستطيع أياً كان أن يسبق الأنبياء والمصلحين في الإخلاص عندما تُتاح له الفرصة للحديث عن مدى إخلاصه، لكن الواقع يُكذب ذلك أو يُصدقه، والأحداث والمواقف تكشف المخلص من المدعي. 

لو لم يكن نبي الله يوسف عليه السلام مخلصاً لما يحمله من نبوة .. لما دخل السجن بعد غياهب الجب، ولكانت غرف القصر ستتسع له. لو لم يكن موسى عليه السلام مخلصاً لما عبر البحر بقوم من السذج الذين لا يُصلحون لشيء لكنه الإيمان والإخلاص من دفعه ليعبر بهم اليم ويخرجهم ليكونوا مجرد حاملي جيلاً أخر في أصلابهم سيعرف فيما بعد ماخرجوا لأجله. 

لو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم مخلصاً لما قَبِل بصلح الحديبة والذي كان لصالح قريش في ظاهره. 

المُخلِص البشري هو غير الْمُخْلَصِينَ في القرآن من استخلصهم الله، لكن هناك صفات مشتركة بينهم منها الصبر وقوة التحمل وعدم التأفف وعدم الركون للدنيا وعدم تصديق المخاوف والنصائح التي تختصر الطريق بالاستسلام وعدم التضحية. 

في علم السياسية والاجتماع والتاريخ هناك قصص كثيرة لمخلصين للقضايا التي حملوها من أرسطو حتى أحرار العالم الذين حتى كتابة هذه الأسطر وهم في المعتقلات بسبب إيمانهم بقضاياهم العادلة، كالحرية والعدالة والمساواة وعدم الرضوخ للبغاة والجناة والمتطرفين والارهابيين وحملة الأفكار العنصرية. 

كل قضية بلا مخلصين يتم تصفيتها، وكل فكرة لم تجد مخلصين يحملونها سرعان ما تتلاشى وتخفت، وكل قضية عادلة يحملها ثُلة من الأفراد تنتصر ولو بعد حين، فتشوا كتب التاريخ وستجدوا الكثير من القصص. 

ما يهمني أنا هو أن أكرر التأكيد على أن المخلص لقضيته حتى لو تم تجاهله وطال صمته ولم يُؤبه له في فترة من الزمن ستأتي فترات ويُشار إليه بكل إحترام، مانديلا، غاندي، أحمد ياسين، الزبيري، والبرغوثي، مارتن لوثر كينج كلهم خريجي سجون ومحرضين على العنف الخ الخ من التهم الزائفة. 

يتحول المخلص لقضيته إلى رمز عالمي وليس مجرد رمز محلي، الزمن كفيل بأن يُرينا العديد من المخلصين والذين مازلوا مجرد سجناء أو منفيين أو مشردين أو معذبين في الأرض. 
اخلصوا لقضاياكم العادلة والسلام.

 "وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"

المزيد من فيصل علي

الثوري الواسعي في الخالدين


الإثنين, 06 أبريل, 2020