غالب...المعنى الذي لا يموت

الأحد, 14 فبراير, 2021

يموت الناس فتُدفن أجسادهم لكن الشجاعة والكرم هما اللذان دُفِنا يوم وفاة الشيخ غالب الأجدع...
يموت البعض فيترحم عليهم البعض، إلا غالب الذي تترحم عليه الأيام والليالي والأماكن والكبار والصغار، ومن عرفه ومن لم يعرفه...
إن الألفاظ قد ماتت لحظة موت الشيخ غالب، لكنه معنى كبير والمعاني الكبيرة لا تموت...
كنت أحسبني كاتباً تطيعه كلماته، حتى مات غالب فجربت كيف يتأبى الكلام وتهتز المعاني في حضرة الموت.
يا الله...
ما معنى أن يموت غالب الأجدع؟!
وأي قبر يمكن أن يتسع لكرمه وشجاعته؟!
أية حفرة يمكن أن تحتويه، وهو الذي تعود ألا يكون وحده، وأن تتبعه الحشود أينما حل؟ّ!
كيف سيبيت وحده دون رواد مجلسه وقصاد كرمه والفَزِعون إلى فزعته؟ّ!
وكيف جاءه الموت إلى فراشه، وهو الرجل الذي تعوّد أن يقفز لملاقاة الموت في منتصف الطريق؟!
الموت حق...
والشيخ غالب بن ناصر الأجدع المرادي مات...
مات وسام الكرماء
مات إمام الحكماء
ومات حزام الفرسان
مات مضرب المثل في الكرم والشجاعة والحكمة وثبات المواقف...
غالب الذي خالط الحكام ولم يُسجل عليه أي موقف لا ترتضيه شيم الرجال...
غالب الذي تُروى قصص لا تحصى عن كرمه وشجاعته وحكمته وصفاء قلبه وطهارة روحه.
ونحن صغار كنا نسمع عن مواقفه، كما نسمع عن مواقف عنترة العبسي وحاتم الطائي وزهير بن أبي سلمى المزني، ونمر بن عدوان الظفيري، وخلف بن دعيجا الشراري، وبقية الفرسان.
كثيرون شهروا بخصال كثيرة، لكن غالب كان المحامد كلها في إنسان...
رجل فريد...
لا يقف إلا في المواقف التي تقتضيها الرجولة...
ولا تراه إلا حيث تكون البطولة...
ولا يرضى بغير صدارة المواقف والمشاهد والأيام...
ما هو السر في احتشاد كل القيم في شخصه؟
ما هو السر في تفرده؟!
ربما كان السر يكمن في أنه كان متصالحاً مع نفسه، لا ينافق، لا يجامل، لا يداهن، لا يخاف، وقد ذابت الحواجز بين سره وعلانيته، ولذا كُتب له القبول.
لا أحد يرد له طلباً، ولا أحد يرفض له كلمة، ولا أحد ينقض له حكماً...
له مهابة عظيمة، ومحبة كبيرة، وقبول عجيب عند الناس...
في بداية الحرب جاءني منه اتصال يقول: كيف حالك يا حيد عمك غالب؟
أقول: الحمد لله...
ويدور كلام كثير...ثم يقول: صوتك صوتنا في الخارج استمر يا ولدي، ولو تحتاج شيء فعمك غالب حاضر...
وأنا أشكره، وأخجل لما يضفيه علي من نفحات روحه ومحاسن كلماته.
ومرة ألمّتْ به وعكة صحية، واتصلت به، وسألته عن حاله، فقال: أنا بخير، الحمد لله، وكرر سؤاله لي: شي حاجة لك؟
شكرته، وأنا أتعجب من رجل على سرير المرض، يسأل رجلاً - في صحته – ما إذا كانت له حاجة ليقضيها!
شكرته وقلت: أتمنى أن نلتقي قريباً...
ولكنا ما التقينا...
القدر كان أعجل...
وعندما لا يليق الزمان ببقاء الكبار فإنهم يرحلون...
وقد رحل غالب لأن الزمن لم يعد مفصلاً على مقاسات النفوس الكبيرة...
رحمه الله وجمعنا به في مستقر الرحمة...
وخالص العزاء لأسرته وقبيلته ولليمنيين جميعاً...
 

المزيد من د. محمد جُميح